أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

26

نثر الدر في المحاضرات

كتب الإسكندر من بلاد فارس إلى أرسطاطاليس من الإسكندر الملك إلى الأرسطاطاليس الحكيم ، عليك منا السلام . أما بعد : فإن دوائر الأسباب ومواقع العلل وإن كانت أسعدتنا بالأمور التي أصبح الناس لنا بها دائنين ، فإنّا جدّ واجدين لمس الاضطرار إلى حكمتك ، غير جاحدين للإقرار بفضلك ، والاستتامة إلى مشورتك ، والاجتباء لرأيك ، والاعتقاد لأمرك ونهيك ؛ لما بلونا من جداء ذلك علينا ، وذقنا من جني منفعته ، حتى صار ذلك بنخوعه « 1 » فينا ، وترشيحه لعقولنا ، كالغذاء لنا ، فما ننفك نعوّل عليه ، ونستمد منه ، كاستمداد الجداول من البحور ، وتحويل الفروع على الأصول ، وقوّة الأشكال بالأشكال . وقد كان فيما سبق إلينا من النصر والفلج ، وأتيح لنا من الظفر والقهر ، وبلغناه من العدو من النكاية ، ما يعجز القول عن وصفه ، ويقصر الشكر للمنعم على الإنعام به . وإنه كان من ذلك أنّا جاوزنا أرض سوريّة والجزيرة وبابل إلى أرض فارس ، فلما حللنا بعقوة أهلها وساحة بلادهم لم يكن ذلك إلّا ريثما أن تلقانا نفر منهم برأس ملكهم هدية إلينا ، وطلبا للحظوة عندنا ، فأمرنا بصلب من جاء به وشهرته ؛ لسوء بلائه ، وقلّة ارعوائه ووفائه . ثم أمرنا بجمع من كان هنالك من أبناء ملوكهم وأحرارهم وذوي الشرف منهم ، فرأينا رجالا عظيمة أجسامهم وأحلامهم ، حاضرة ألبابهم وأذهانهم ، رائعة مناظرهم ومناطقهم ، دليلا ما ظهر من روائهم أن وراءه من قوة أيديهم ، وشدة بأسهم وتحدّيهم ، ما لم يكن ليكون لنا معه سبيل إلى غلبتهم ، وإعطابهم بأيديهم ، لولا أن القضاء أدالنا منهم ، وأظفرنا بهم ، وأظهرنا عليهم ، ولم نر بعيدا من الرأي في أمرهم أن نستأصل شأفتهم ، ونجتثّ أصلهم ، ونلحقهم بمن مضى من أسلافهم ؛ لتسكن القلوب بذلك إلى الأمن من جرائرهم وبوائقهم .

--> ( 1 ) النخوع : الإخلاص ، يقال : نخع فلانا الود والنصيحة : أي أخلصهما له .